الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
91
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الأنبياء كلها ، فكانت هذه الجملة قياسا تمثيليا بشواهد التاريخ وأحوال تلقي الأمم دعوات رسلهم . فالمعنى : ما منع هؤلاء المشركين من الإيمان بالقرآن شيء يمنع مثله ، ولكنهم كالأمم الذين قبلهم الذين جاءهم الهدى بأنواعه من كتب وآيات وإرشاد إلى الخير . والمرد ب الْأَوَّلِينَ السابقون من الأمم في الضلال والعناد . ويجوز أن يراد بهم الآباء ، أي سنة آبائهم ، أي طريقتهم ودينهم ، ولكل أمة أمة سبقتها . و أَنْ تَأْتِيَهُمْ استثناء مفرغ هو فاعل وَما مَنَعَ . « ولن يؤمنوا » منصوب على نزع الخافض ، أي من أن يؤمنوا . ومعنى تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ تحل فيهم وتعتريهم ، أي تلقى في نفوسهم وتسول إليهم . والمعنى : أنهم يشبهون خلق من كانوا قبلهم من أهل الضلال ويقلدونهم ، كما قال تعالى : أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ [ الذاريات : 53 ] . وسنة الأولين : طريقتهم في الكفر . وإضافة ( سنة ) إليهم تشبه إضافة المصدر إلى فاعله ، أي السنة التي سنّها الأولون . وإسناد منعهم من الإيمان إلى إتيان سنة الأولين استعارة . والمعنى : ما منع الناس أن يؤمنوا إلا الذي منع الأولين قبلهم من عادة العناد والطغيان وطريقتهم في تكذيب الرسل والاستخفاف بهم . وذكر الاستغفار هنا بعد ذكر الإيمان تلقين إياهم بأن يبادروا بالإقلاع عن الكفر وأن يتوبوا إلى اللّه من تكذيب النبي ومكابرته . و ( أو ) هي التي بمعنى ( إلى ) ، وانتصاب فعل يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ ( بأن ) مضمرة بعد ( أو ) . و ( أو ) متصلة المعنى بفعل مَنَعَ ، أي منعهم تقليد سنة الأولين من الإيمان إلى أن يأتيهم العذاب كما أتى الأولين . هذا ما بدا لي في تفسير هذه الآية وأراه أليق بموقع هاته الآية من التي قبلها . فأما جميع المفسرين فقد تأولوا الآية على خلاف هذا على كلمة واحدة فجعلوا المراد بالناس عين المراد بهم في قوله : وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [ الكهف : 54 ] ، أي ما منع المشركين من الإيمان باللّه ورسوله . وجعلوا المراد بالهدى